2022-11-18

أ. إسماعيل شاهين

اضطراب الشخصية المرتابة (البارانويا)

اضطراب الشخصية هو أحد أنواع الاضطرابات النفسية و أحيانا العقلية حيث يعاني فيه المريض من مشكلات في فهم تصرفات الآخرين و مواقفهم ما يؤثر على أفعاله و ردات فعله و وظائفه الحركية و أنماط تفكيره. هناك عدة أشكال لاضطرابات الشخصية أبرزها: الشخصية الانعزالية، الشخصية الوسواسية، الشخصية الفصامية، الشخصية الارتيابية، الشخصية الهستيرية و الشخصية الحدية. سأتناول في هذا المقال بعض المعلومات حول الشخصية الارتيابية.

يتميز الأشخاص المصابون بهذا الاضطراب بالميل للعزلة والشك في تصرفات الآخرين و لذا يشعرون بأن كل سلوك صادر من المحيط الاجتماعي والشركاء موجه ضدهم أو مرتبط بهم وبذلك يعيش الشخص المصاب بهذا النوع من الاضطرابات بقلق وتوتر دائم وسخط على الشركاء والمحيط.

و يعرّف اضطراب الشخصية المرتابة علميا بأنه:
مرض عقلي يحرف التفكير باتجاه الشك وعدم الثقة بالآخرين ويفسر التصرفات والأحداث في المحيط الاجتماعي والطبيعي وفق رؤية ذاتية ضيقة مغايرة لما هو في الواقع بفعل سيطرة أوهام وخيالات تجعل الفرد المصاب بهذا الاضطراب سريع الغضب حاقدا، مندفعا، ناقدا و مشككا في سلوك وتصرفات الآخرين وصدقهم تجاهه.
ولإثبات صحة أفكاره وتصرفاته مع الآخرين يعمد المريض إلى التبرير والحجج الواهية بدعوى الدفاع عن النفس تجاه خيانة وغدر وطمع الآخرين فيه وقد تصل الحالة بالمصاب إلى سلوكيات قد تؤذي نفسه والآخرين.

وللشخصية المرتابة خصائص يمكن توضيحها على الشكل التالي:
ـ حب الإطراء والثناء الدائم على أفعاله
ـ العدوانية وعدم التسامح والاستعداد الدائم للانتقام
ـ عدم الثقة بالمحيط الاجتماعي والشركاء
ـ نزعة الحقد والكراهية تجاه الآخرين
ـ الظن أنه على صواب و أن الآخرين على خطأ
ـ التوتر وعدم الاستقرار في الحياة الأسرية والمهنية
ـ الطمع في الاستحواذ على مكانة وممتلكات الآخرين
ـ تبريراته جاهزة دائما لإثبات صحة أفعاله

تتعدد أسباب مرض البارانويا فمنها ما هو وراثي و اجتماعي و بيئي. و يظهر هذا المرض في الشخصية عبر تراكمات نفسية و خبرات عقلية وتجارب تترافق مع مراحل تطور هذه الشخصية ونموها. فالعامل الوراثي المنتقل بالصفات الوراثية عبر الجينات يكسب الفرد استعدادا لهذا المرض في حال ساعدت البيئة الاجتماعية والطبيعية على ظهوره. كما تلعب التربية الأسرية دورا أساسيا في إكساب الأفراد صفاتهم الشخصية ومعايير صحتهم النفسية سلبا وايجابا. ففي حال ساد جو المشاحنات والتوتر وعدم الثقة في العلاقات الأسرية فإن ذلك يكسب الفرد حالة من عدم الثقة والارتياب بالشركاء و تدعم مثل هذه الأجواء ظهور الاضطرابات الشخصية لدى المراهقين خاصة. و إذا فقدت المحبة والتعاون والإيثار وساد الاستغلال والجشع والأنانية في العلاقات العامة فإن ذلك يحفز الإصابة باضطرابات الشخصية. كما أن تعرض الفرد للفشل المتكرر في حياته العملية والدراسة أو تعرضه للخيانة والغدر و التجارب المؤلمة من جهات عدة يساهم في خلق الانحرافات الفكرية و العاطفية.

و من أهم السلوكيات الدالة على الشخصية الارتيابية:
- عدم الرغبة في مشاركة الآخرين لقلة ثقته بهم وتغليب سوء الظن
- الحقد على الآخرين وشعور المريض الدائم بأنه مكروه و مستهدف من قبل بالأفراد المحيطين به
- سرعة الغضب و كثرة الخلاف والشعور بالقلق والاكتئاب
- عدم تقبل النقد والشك في النصح من الآخرين
ـ كما أن أحاديث المريض يدور أغلبها حول إنجازاته ومدح نفسه والدفاع عن تصرفاته

ولعلاج هذا الانحراف اعتمد الطب النفسي على طرق ومعايير لتشخيص هذا المرض، فكل اضطراب في الشخصية له مجموعة معايير للتشخيص، ووفقا للدليل الإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM-5) المعتمد في أميركا الشمالية و بعض الدول فإن تشخيص حالة الإصابة بأحد الاضطرابات الشخصية يتضمن بشكل عام الانحراف الملاحظ على المدى الطويل عن التوقعات الصحيحة للسلوك في المجالات التالية:
- الطريقة التي يفهم بها الإنسان نفسه و الآخرين
- مدى ملائمة ردود أفعال الإنسان للمعايير العاطفية
- مدى كفاءة أداء المرء عند التعامل مع الآخرين وفي العلاقات العامة
- مدى إمكانية سيطرة المرء على رغباته

وقد تتشارك بعض الاضطرابات بنفس الأعراض ما يجعل تحديد نوع الاضطراب صعبا في أحيان كثيرة. وبعض الاضطرابات تجعل التشخيص أكثر تعقيدا مثل الاكتئاب أو القلق أو تعاطي المخدرات ما يفرض جهدا إضافيا في تحديد شكل وطريقة ونوع العلاج.
وفي حالة الشخصية الارتيابية حدد الطب النفسي عدة معايير يجب أن يتحقق منها أربعة على الأقل ليصنف المريض بأنه شخصية مرتابة. هذه المعايير هي:
- عدم تصديق الآخرين خاصة الشركاء في أحاديثهم و نصائحهم
- قلق غير مبرر واكتئاب واستعداد دائم للانتقام
- التفكير الدائم في تحليل تصرفات وسلوك الآخرين ومقاصدهم منها
- استحضار المريض لادعاءات كاذبة لتأكيد سلوكه وتصرفاته تجاه الآخرين
- الانفعالية والعدوانية الزائدة في نقد ومهاجمة الآخرين

واعتمد الطب النفسي في علاج اضطراب الشخصية الارتيابية على طريقتين هما:
العلاج النفسي: وله عدة خطوات يعتمدها الطبيب أولها إقناع المريض بأنه يعاني حالة غير سوية في شخصيته حتى يتثنى له التعاون مع طبيبه أثناء العلاج لمساعدته في تعديل أفكاره ونظرته وسلوكه تجاه الآخرين والحد من الشكوك الانفعالية في تعامله مع المحيط للتخلص من هذا الاضطراب المرضي.
العلاج الدوائي: يصف الأطباء بعض العلاجات الدوائية بقصد التقليل من القلق والاكتئاب والتوتر والحد من سيطرة الظن والشك غير المبرر بأخلاق وسلوكيات الآخرين بهدف المساعدة على إكساب المريض سلوكيات وأخلاق مغايرة لما كان عليه قبل العلاج.

إن المصاب باضطراب الشخصية المرتابة غالبا ما يكون مثير للإزعاج والتوتر و مصدرا للطاقة السلبية في محيطه لذلك يتوجب الحذر في التعامل مع هذه الشخصيات. وأثبتت الدراسات المختصة بأن هذا النوع من الاضطرابات النفسية منتشر بين الرجال أكثر من النساء وغالبا لا يعترف صاحب الشخصية المرتابة بمرضه لذلك يصر على أفكاره و سلوكياته معتقدا أنه الأصح لذلك يحتاج لمعاملة خاصة من الآخرين.





© كل ما يتعلق بحق الملكية الفكرية و الأدبية يقع على عاتق كاتب المادة المنشورة فقط